مفتاح ضائع
سار يحيى عبر شارع المعز لدين الله .. ناظرا الى الاعلى حيث تتنافس مآذن القاهرة على توصيل الرسالة التي بنيت من أجلها .. كانت العلاقة التي تربطه بهذه الجدران من حوله علاقة قديمة .. نشأ بينها و عرف كل اسرارها .. و حين انعكست على وجهة اشعة الشمس عرف انه وصل ... فقد ألفته بوابة المسجد الكبير حتى تعودت ان تداعبه كلما أتى الى هنا .. كانت تعكس اشعة الشمس عبر الكسوة االنحاسية الكبيرة التي تغطي بوابة المسجد .. و التي حفرت و فرغت بالزخارف الهندسية المستطيلة التي اخرج فيها صانعوها كل طاقاتهم الفنية .. أحنى رأسه و سبح الله ثم خطى بيمينه عبر المدخل .. كان المدخل يؤدي الى مجاز طويل طالما اجتازه يحيى كلما اتى الى بيمارستان المنصور .. فقد كان يأتي اليها قديما مع والده ليرى بنفسه كيف تسير الامور هناك .. و طالما تمنى بداخله أن يتمكن يوما ما من اعادة انشاء هذا البيمار على احدث وجه .. و لكن يحيى قرأ الاية المكتوبة على اول المجاز .. فنسي البيمارستان قليلا وتوجه الى اليمين .. استمر في السير قليلا حتى عبر البوابة الكبيرة التي كانت تفصله عن الصحن المكشوف .. متجاهلا الباب الصغير الذي يؤدي الى داخل القبة مباشرة .. نظر يحيى الى السماء و كأنه يناجي طيورها او يخبرها بسر ما .. ثم نزل بنظره قليلا ليجوب عبر الزخارف الخشبية متقنة الصنع التي تغطيها .. كان يتذكر حينها .. حين استدعى والده أقدم صانعي الارابيسك المصريين من صانعي و مهندسي الخشب و الصدف و النحاس .. و أوصاهم باخراج كل طاقاتهم في هذه الساحة بالذات .. تمايلت نظراته برقة و هو ينظر الى القبة التي جاء خصيصا من أجلها الى هذا المكان .. كان مدخلها – ككل شيء هنا – مزدان برشاقة الخطوط الزخرفية .. اقترب من المدخل الصغير حانيا رأسه و كأنه يخجل من الدخول او ينتظر الاذن .. لم يكن راضيا ابدا عن وضع هذه الاعمدة ها هنا بتيجانها المذهبة .. كانت أربعة أعمدة من الجرانيت تعلوها تيجان يونانية مذهبة و تحمل اربعة اكتاف كبيرة هي ما يحمل القبة .. كان يرى امكانية استبدالها بشكل اخر ربما يتفق مع زخارف الخشب و الصدف ها هنا اكثر .. لكن حرفيي المسجد أصروا على رأيهم ووافقهم أبيه في ذلك .. كانت التيجان المذهبة للأعمدة تشكل مع الايات القرآنية المنقوشة بالذهب على وزرات من الرخام الملون في كل مكان ها هنا .. كانتا تشكلان معا اضافة ذهبية ان صح التعبير الى المكان ... طرق الباب ثلاث مرات ... مع انه يعلم جيدا بعدم وجود من يجبه بالداخل .. الا انه هكذا تعلم .. و هكذا ينفذ تعاليم والده .. فتح الباب برفق .. و دلف الى داخل القبة حيث شعر عند دخوله و كانه انتقل الى عالم اخر تماما .. بداية من الهواء الرطب الذي انعش قلبه و ذاكرته معا .. و ذلك يعود الى الرخام الذي ينتشر في كل مكان ها هنا .. تجول ببصره بين كل الرسومات الهندسية ها هنا .. طالما حاول فهم اسرارها .. كان الناس يقولون ان هذا المحراب هو أجمل المحاريب المصرية و أفخمها .. لكنه تعود بحكم حياته على عدم تصديق كل ما يقال في مصر .. الضوء الملون اضاف جوا خاصا على وقفته ها هنا .. فقد كانت اشعة الشمس تدخل الى المحراب عبر الاف الفتحات من الزجاج الملون و الذي رسم عليه رسامون من بلاد ما وراء النهرين رسومات نباتية بديعة تكمن بداخل احضان الخطوط الخشبية المستقيمة و التي تكونها شبابيك الارابيسك .. نظر فوقه فتفاجأ للحظة .. تذكر بعدها انه يتفاجأ فيها بكل خيوط الذهب فوق رأسه في كل مرة يأتي فيها الى هنا .. فقد كان السقف الذي يحيط بالقبة يعلو في الفراغ مقسما الى خطوط هندسية تتخللها خطوط مذهبة تزيدها بهاء و جمالا في كل مرة يأتي فيها الى هنا .. تقدم الى الوسط اسفل مركز القبة بالتحديد .. نظر على اللوحة الموضوعة على شاهد القبر و قد كتب عليها : السلطان المنصور بن قلاوون و قرأ الفاتحة .. ------------------------------------------------------------------------------الاف المشاهد رآها يحيى اثناء رحلته داخل المسجد .. كلها اتفقت فيما بينها على ان تذكره بماض كان قد قرر أن ينساه .. حين خطا أولى خطواته الى داخل المسجد شعر بالاف الكلمات التي تتدفق الى وعيه .. بالاعلى و امامه مباشرة كانت توجد ثلاثة عقود اكبرها الاوسط و على جانبيه عقدين اصغر قليلا .. ارتفعت على عمودين من الرخام تعلوهما تيجان تزدان بنقوش نباتية مستوحاة من الفنون اليونانية و زينت العقود الثلاثة بالزخارف الهندسية النجمية و الخماسية ... - هل تعتقد ان هناك معان تكمن وراء استعمال هذه النقوش الهندسية بهذه الدقة ؟ - أخبرتك من قبل يا عليا ان التصوير لم يكن مستحبا في الفنون الاسلامية .. لذا لجأ هؤلاء المبدعين الى التعبير عما بداخلهم من طاقات و رموز عبر استعمال المربع كشكل اساسي نتج عنه كل هذه التداخلات من الاشكال النجمية . كذلك كانت الزخارف النباتية باشكالها الانسيابية حلا رائعا يحمل بداخله عددا ضخما من المعاني التي يحاولون التعبير عنها .. تلك الزخارف النباتية كانت تشكل اطارا مميزا للعقود الثلاثة في واجهة المسجد .. و التي كانت تعلوها عقدين متساويين فوق العقد الاوسط و في الاعلى تستقر دائرة من الزخارف تتصل بعقد كبير يحتل المساحة كلها من الأعلى .. هكذا حاول مصمموه خلق نوعا من الرقي في بيت للصلاة يتصل مباشرة بالله الواحد .. و في اسفل تلك العقود كان يحيط بالمسجد كله مستطيلات من الكتابات كتب عليها في الوسط بخط النسخ المملوكي اسم المنشيء و القابه و امتدت لتحيط فراغ المسجد كله بالايات القرانية التي كتبت بالخط نفسه . كانت تلك الايات تشعر يحيى بالرهبة .. كانت تدفعه للتساؤل .. و لكنه و بالرغم من كل التساؤلات التي كانت تتصارع بداخله وقتها .. كان يشعر بجو عجيب من الصفاء .. يجبره على أن يطرح كل هذه التساؤلات جانبا .. اتجه يحيى الى رواق جانبي يمتد الى باب السبيل .. مر بشرفات دائرية كثيرة لازالت تحمل رغم كل تلك السنين الكثير من اسرار المربعات و الاشكال الخماسية و السداسية في فتحاتها .. استطاع منها ان يرى و للمرة الاولى مئذنة هذا المسجد بطبقاتها الثلاث و التي كانت تعتبر فكرة جديدة للمئذنة طبقت لأول مرة بهذا الشكل في هذا المسجد تحديدا .. كانت خطواته داخل الرواق و على جانبيه ترتفع العقود التي حملت على نفس الاعمدة الرخامية المنتشرة هنا .. تشعره بأن العالم الخارجي الذي يعيش فيه هو مجرد خدعة كبيرة ..و أن الحقيقة ربما تكمن هنا .. وصل الى باب السبيل فوجده مغلقا .. و لكنه وقف قليلا متأملا النقوش النحاسية التي انتشرت على بابه و التي ظهرت على جدرانه الداخلية من خلال فتحات شبابيكه التي ازدانت و كالعادة بالزخارف .. لم يكن يستطع وصف هذا الشعور وقتها .. فكمات الروعة و البهاء و الجلال لم تكن كافية لوصف هذه التحفة المعمارية استدار عائدا الى داخل المسجد .. و لكنه اتخذ طريقا على يساره بدلا من ان يعود من نفس الطريق .. كان شريط الايات الذي يزين الجدران على ارتفاع عينيه يدعوه ليلتفت .. حاول قراءته و لكن الخط المملوكي بكل جمالياته و بالرغم من انه يحفظ تلك الايات عن ظهر قلب .. الا ان قراتها قد استعصت عليه في تلك التشكيلات الفنية التي كتبها خطاطو ذاك الزمن .. احتار كثيرا في قيمة تلك الدوائر بالاعلى .. و ارتباطها بالاشكال المربعة الذى بدا هنا متناسقا غير منفر العقود المثمنة التي كانت ترتكز على ثمن الدائرة و تنزل في استقامة لتتصل بالارض .. عبر رحلة العقود وصل يحيى الى المحراب مجددا .. و كان لا يختلف كثيرا عن المحراب الذي رآه من قبل في المدفن .. الا ان هذا تميز عن الاخر بكثرة نقوشه وتزيينه بالفسيفساء المذهبة . نظر الى يمينه ليجد منبرا بسيطا لا يرتفع عن الارض كثيرا .. وجد عليه لافتة تشير الى أنه يعود الى القرن الخامس عشر الميلادي توجه يحيى الى ايوان المحراب و نظر باتجاه القبلة .. تقابلت نظراته مع الفراغ المكون للعقود .. لم تصطدم بأي شيء يمنعها من امتداد النظر .. شعر ببصره يمتد الى المالا نهاية .. هنا فهم الحكمة من هذه النقوش و العقود و الزخارف .. نظر الى الاعلى فجذبته الدائرة العلوية مجددا .. تاه ببصره بين نقوشها و اوراق نباتهاوجد رأسه ترتفع أكثر و أكثر رغما عنه .. و أحس بحالة غريبة من الصفاء تجتاحه مجددا .. فوقف يصلي

