المفتاح الاول
أيقظ شعاع الشمس الاول الذي أرسله الاله الواحد بالخير و الحياة .. أيقظ الجميع في ترقب حذر .. فالجميع في المدينة القابضة على الأرضين ( إثت – تاوي كما توجب علينا أن ننطقها حدود معرفتنا البعيدة بمصر)يترقب ما سيعلن عنه ابن الإله و سيد الأرضين نب- تاويي اليوم في صلاته لآمون . فقد أقيمت العديد من المسلات الاحتفالية بالقرب من معابد آمون منذ فترة. و قد ذكرت مسلات نون – ماع ( الحقيقة ) التي أمر الوزير سنن تب ان تدون عليها كل أحداث البلاد .. أنه و في سرية تامة قد بدأت طقوس كتابة النقش المقدس . يتناقل الناس انباء عن زواج الامير ..ربما ... و لكنك حتى هنا .. لا يمكنك أن تصدق كل ما تسمعه !! --------------------------------------------------- 1 وصل شعاع الشمس الأول الذي أرسله الإله الواحد بالخير و الحياة إلى الأفق الشرقي فأستيقظ الناس في ترقب حذر.. فالجميع في المدينة القابضة على الأرضين ( إثت – تاوي كما توجب علينا أن ننطقها في حدود معرفتنا البعيدة بمصر) يترقب ما سيعلن عنه ابن الإله و نب-تاويي (سيد الأرضين) اليوم في صلاته لآمون. فقد أقيمت العديد من المسلات الاحتفالية بالقرب من معابد آمون منذ فترة. و قد ذكرت مسلات نون – ماع ( الحقيقة ) التي أمر الوزير سنن تب أن تدون عليها كل أحداث البلاد.. أنه و في سرية تامة قد بدأت طقوس كتابة النقش المقدس. يتناقل الناس أنباء عن زواج الأمير..ربما... و لكنك حتى هنا.. لا يمكنك أن تصدق كل ما تسمعه !!
وعلى إحدى المسلات كان هذا النص:
نون – ماع – مسلات الحقيقة – من إثت – تاوي :في السنة العشرين اليوم العاشر من الشهر الثالث من فصل الفيضان تحت حكم جلالة حورس الثور القوي ابن الإله و سيد الأرضين أعلن في معبد آمون الغربي أن إرادة الآلهة أن يصبح يحيى من بعده سيدا لمصر و هذا عند الانتقال الأخير إلى الفردوس. و من يرفض طاعة الآلهة كمن رفض ماء النهر ينزل عليه غضب الإله فكأنما انقطع عنه ماء النهر. و قد اظهر السادة الوزراء و حكام الأقاليم كامل ترحيبهم بأمر آمون. و قد أظهرت مسلاتهم جميعا إنهم يحبون ابن سيد الأرضين و يلقبونه بالمعماري المفكر و بصاحب الأرض و النهر لأنه عرف العمارة و سائر العلوم هنا و وراء النهر الكبير. نون – ماع – مسلات الحقيقة – من إثت – تاوي--------------------------------------------------- 1 تسللت أشعة البدر(اياح) من بين برجي صرح القصر الشامخان لتنعكس على وجهه..
و لأول مرة نبدأ بالتعرف عليه.. نقترب بالكاميرا قليلا من وجهه.. لكننا لن نتمكن من ذلك الآن فهو لازال نائما وبدا وكأن الكا تركته لتنضم إلي عالم اوزيرس وهي تقبض باستماتة على علامة العنخ مفتاح عودتها إلي الجسد مرة ثانية..مفتاح الحياة..
لنترك الكا ألان كي تمارس عبادتها بحرية ونعود إلي ذلك الجسد النائم لنحاول من ملامحه أن نعرف من هو..
هو ببساطة مواطنا صالحـا في عالم الأحلام...
يعمل بجد و تفاني – كأي مواطن صالح – من أجل عالمه..
في الواقع.. لم يكن هناك مواطن غيره في هذا العالم..
نعم ؟ لم الغرابة ؟ هو من يقوم بأعمال الأحلام كلها وحده..
يملك موهبة الحلم.. فيصنع كل يوم حلمــا جديدا
فهو يجمع بين فنون عديدة.. فيرسم بريشته تفاصيل الأحلام و يصف بكلماته عبير طيور الأحلام أو يعزف ألحانا سكرى تحتفل بربيع الأحلام.
يضع بنفسه كل التفاصيل.. فيختار العطر.. ولون الزهر..
ألوان الغروب.. و اتجاه نسمات الريح ....
لم يسال نفسه يوما لم يفعل كل هذا فقد كان يعلم ...
كان يعلم انه يعمل من أجلها هي.. و انه يهواها هي.. يعشقها هي..
ومن غيرها ؟؟ أميرة الأحلام...
التي تحكم هذا العالم.. و تحكم قلبه أيضا..
هو لم يرها من قبل.. لكنه يعلم دائما أنها هنــاك
و أنها تراه.. و ربما تشعر بتفاصيل أحلامه التي هي بطلتها.. من اجلها كتب أحلى الكلمات.. و اختار أحلى العطور لتنتشر فوق أسوار قصرها.. و تحيطه بسحابة عطرية زهرية اللون..
من اجلها رسم ألحانه على غصون الأشجار..
من اجلها فقط.. كان يحيا...- يحيى.. أرسل سيد الأرضين في طلبك فأسرع إليه و لا تتأخر. هكذا سمع يحيى الصوت يتسلل في هدوء إلى أذنيه.. يخلق له في أحلامه عوالم جديدة لكنه لم يكد يدخلها حتى أفاق على هزة يد ناعمة أحس بها واقعية أكثر من أن تكون مجرد حلم.. استدار لينظر إلى الوجه الذي تجرأ و أيقظ ابن سيد الأرضين من نومه.. ليرى أخت روحه تايي – دوا تعيد عليه ما قالته و هي تبتسم.. - أرسل سيد الأرضين في طلبك فأسرع إليه و لا تتأخر.نظر قليلا إلى ابتسامتها ثم تذكر ما قالته.. فتركها تنظر إلى الفراغ قليلا في ذهول و انطلق يعدو بين أعمدة البهو الوردية شاعرا بالوحدة التي تبعثها فيه تيجانها من اللوتس والبردي وكأنها مصر العليا والسفلى وقد اجتمعت في تيجان أعمدة البهو لتخلد لقب الملك نسو- بيتي (ملك مصر العليا والسفلى)..
بدأ القلق يتسرب إلي نفسه وتلاحقت أنفاسه في عدوه فالتقطت عيناه صورة الآلهة ماعت.. تلك الجميلة المقدسة المنحوتة على جدران البهو وقد انغرست ريشة العدالة في خصلات شعرها الأسود لتطمئنه أن لا يقلق فهي هنا تقبض على الميزان في يد وبالأخرى تجهز صواعقها لردع الخارج عن طريق الحق الممتد بلا نهاية بعكس بهو الأعمدة الذي انتهى واضطر معه يحيى أن ينهي عدوه واقفا أمام باب قاعة الحكم الملكية....طرق الباب طالبا الإذن بالدخول ورفع عينيه إلي أعلى ناظرا إلى قرص الشمس المجنح رمز الإله(رع- حور- اختي) المستقر أعلى إفريز من الصل المقدس (الحية اليورايوس) حامية تيجان الملوك..ولكن لما كل تلك الرموز الحامية على بوابة قاعة الملك؟؟
هل يحتاج الإله سيد الأرضين إلي حماية؟؟
وأي شيء أو شخص ذلك الذي يجرؤ على إيذاء الملك وهو القوي الخالد ابد الدهر.؟؟ وان كانت الآلهة هي الحامية فلم لا يحمي الملك الإله نفسه بنفسه؟؟
تتعلق عيناه طويلا بقرص الشمس الذي يتوج رأس الآلهة إيزيس الممسكة بعلامة العنخ في يدها..الشمس.. العطاء والخلود والبعث..
الشمس.. هل هي آمون أم آتون.؟ اتوم أم رع؟ أو أنها حور اختى؟
أين الحقيقة؟؟؟
ومن بين جناحي الالهتين الحاميتين إيزيس ونفتيس.. فتح الباب وظهر خلفه الحارس الضخم..عبر يحيى البوابة الشامخة إلى داخل قاعة الحكم..ولكن انتظر..إلى هنا علينا أن نتوقف فليس لدينا تصريح الدخول إلي حضرة الآلهة..ربما أصبح ضروريا أن ننتظر خروجه كي يحكي لنا هو ما دار بالداخل....----------------------------------------------------2 - ثم أخذ يعدد لي الأسباب التي خلقنا من اجلها الإله... - هل هذا كل ما حدث ؟؟ - .......... - و لم يخبرك بماذا أمره الإله ؟ أو بم سيعلنه على العامة؟ - هذا فقط ما حدث و بدا لي انه يلمح لتعلم النقش المقدس للأوامر الملكية ثانية. - ألم تتفقا - ابعد قدميك كي لا تلوث مياه النهر- ؟ - أنا ابن سيد الارضين و هذا النهر يجري من تحتي.. أما انتِ فلتنحني لابن سيد الأرضين - توقف يا يحيى- .............. - يحيى- ................ و هو يصر على أن أتعلم القانون الملكي...- و حلمك ؟؟ - لا ادري... - و أنا ؟؟ - ...................... ........................ ........................ - يحيى !!
- أتعلمين يا أخت الروح.. أحيانا أتمنى لو كنت مجرد شخص عادي.. فلاح بسيط لا يشغله سوى موعد الفيضان..
أترين الرجلان الواقفان هناك.. أتمنى أن أقف مثليهما أتحدث في اللا شيء.. أو اجلس معهما لنشرب حنقت سويا....
وبفضول شديد نظرت تايي- دوا اليهما..- ترى فيما يتحدثان ألان؟؟
- باستت
- ماذا؟؟
- أنت فضولية كقطة..
- جديا.. ماذا يحدث لو اقتربنا قليلا لنسمع ما يقولانه..
- ربما يحدث شيء ما.. لكن لو لم نقترب فلن يحدث شيء.. أتعلمين.. هذا هو الفارق مابيني وبينك.. فأنا أتمنى أن أكون مثلهم وأنت تتمنين أن تسمعي قولهم..
- أسرع إذن فقد فات الكثير من حديثهما..ابتسم يحيى بينما هي تجره جرا حتى اقتربا منهما وهي تستمع اليهما بكل تركيز...
- تعرف حد بيقرا عارف إيه المنقوش على مسلة حكابي- الساحر - الأسبوع ده ؟ - قريب لأخوال أمي يعمل بالقصر الملكي يعرف هناك من يتعلم النقش المقدس و يمكنه أن يقرأها.. - إذن اطلب منه أن يقرأها لنا.. قبل انقضاء هذا العام..لأن بها أخبارا خطيرة حول أحوال ما يجري في القصر الملكي بين سيد الأرضيين و ابنه يحيى - هل تعني تلك التي تدور حول رفض الأمير يحيى لأن يكون هو سيد الأرضين بعد والده ؟ يقولون بأن أخت روحه تايي – دوا هي التي دفعته لذلك فهي تعرف النقش المقدس بحكم كونها ابنة آمون و هي أيضا تريد أن تبقى في بلاد ما خلف النهر الكبير.. و حبه لها سيجعله بالتأكيد ينفذ ما تطلب..
غمغمت تايي- دوا بخفوت وقد علت شفتيها ابتسامة كبيرة..- يبدو أن حبك لي واضحا للجميع..
لم يجبها فنظرت إليه لتجده نائما شعرت بالضيق الشديد فدائما لا تجده حينما تحتاجه..ثم عاد فضولها يتغلب على ضيقها وركزت كل اهتمامها لمتابعة الحوار الدائر.. - ليس الأمير يحيى من هذا النوع .. إن حبه للبقاء بين الكهنة و عارفين الأسرار هو السبب بالتأكيد.. فهو دوما يحاول أن يعرف أكثر و يتعلم أكثر و أعتقد أنه يرفض أن يحكم ارض مصر و نيلها لهذا السبب.فأفكاره حول إلغاء الضرائب و تحرير التجارة لا تناسب أوامر آمون الصارمة التي ينفذها سيد الارضين.. - و لكنه يريد الاحتفاظ بـ تايي – دوا إلى جانبه أيضا.. - انه ذكي حقا ليفعلها !! يقولون أنه إذا تزوج من تايي - دوا سيصرفون لنا تمرا ملكيا .. - تمرا أم ذهبا.. كلا منها سيسترده جباة الضرائب ثانية.. - و يقولون... - اوووووه.. لا تصدق كل ما تسمعه في مصر. - لقد تأخرت وداعا.. و لا تنسى أن تطلب من قريبك أن يقرأ لنا المسلة لنعرف ما يجري حولنا !! - حقا نحتاج لأن نعرف ماذا يجري ! - أدعو الآلهة أن تسامحك عن خطاياك لتذهب سريعا إلى الفردوس .. - إلى اللقاء في أرض آمون !
ذهب الرجلان بينما وقفت تايي- دوا مبتسمة وقد شعرت بسعادة طفولية..- أتعتقد أنهم سيصرفون لنا تمرا بالفعل لو تزوج الأمير يحيى من أخت روحه تايي- دوا؟؟
عاد إليها غضبها عندما تذكرت أن يحيى تركها وغاب في عالم الأحلام وجلست وقد بدأت تحترق داخليا وتتوعده في صمت بالعذاب والهجر..
بينما وجد يحيى نفسه في عالم أخر.. وحيدا يحيط به الأزرق الداكن و كأنه يسير فوق السماء.. و جد بقعة من النور تظهر أمامه فاتجه إليها.. تتناثر مع خطواته نقاط بيضاء مضيئة تصنع نجوم السماء.. توقف عند هذا النور في جلال و اخذ يتلقى منه بضع كلمات.. و اتجه ليدور من حوله صانعا لوحات يملؤها الضوء.. ثم التفت ليجد ظلاما يأتي مقتربا ليحل بالأزرق..يأتي من كل الجهات.. و أحجارا تلقى من الأعلى حيث لا اتجاهات ها هنا ! تصيب وجه يحيى.. تصيب وجه اللوحات.. و تصيب وجه النور.. تملا اللوحات بالأسود.. و تنهار بقايا الألوان.. يدور يحيى حول النور محاولا النفاذ إليه.. محاولا اختراقه لحمايته.. لكنه يجد نفسه واقفا في هالة من الفراغ الأسود تملأه نجوما رمادية متربة.. تتراءى له قطرة من نور تسبح بعيدا بعد انتهاء كل شيء.. يحاول أن يحتضنها بعينيه.. فتطفئها ظلال الأسود لتحيلها إلى الصمت الأبدي.. يعرف وجوه كل من ألقوا بحجر على ومضات النور.. يكتبها في ذاكرته بحروف من حديد..يبحث عن أمل أخير.. لكن حتى آخر قطعة أمل.. قد ذابت أسفا.. فهوى يحيى في هوة اللانهاية........ - يحيى.. استيقظ يا يحيى.. - النور.. من أنتِ ؟ أين الحقيقة ؟ - هل سمعت في عمرك عن إنسان يستيقظ من النوم قائلا أين الحقيقة ؟؟ - في الواقع ؟؟ !! كلا.. - إذن ما بك ؟ - الحلم.. - يا أخا روحي.. ماذا يعكر صفو اتصال روحك؟؟
أطلق يحيى زفرة مهمومة.. فمسحت بيدها الحانية على جبينه وكأنها تمتص كل الطاقة السلبية من عقله.. - ألا يكفيك أني معك ها هنا.. - ................. ........................... ................................. - يحيى !!
- أتعلمين.. يبدو أن هناك شيء مــــــــا...
- عن أي شيء تتحدث؟؟
- لا أعرف الكثير عنه... لكنه موجود..
أشعر به يخترق كياني.. يسكن أفكاري.. و يطل من بين الكلمات...
هنا تناولت تايي- دوا ورقة بردي فردتها أمامه ووضعت في يده ريشة..نظر إليها بتساؤل فجاوبته ابتسامتها الحانية التي بعثت بداخله طاقة متدفقة فبدأ يدون بشرود.....
شـــــيء مــا..
يحيي بداخلي تراكمات الماضي.. و يضع بنفسه خطوط المستقبل..
يرسم على صفحات الروح بكل ألوان الدنيا..
بألوان الحزن.. ألوان الفرح.. و ألوان الألم..
شـــــيء مــا..
لم أسأل نفسي من قبل عن نفسي..
و لماذا أعر بكل هذه المشاعر.. بالغربة و الغرابة و الاغتراب..
حتى في داخل قلوب العاشقين..
دائما يوجد.. شـــــيء مــا..
في البدر و في الليالي الباردة الطويلة..
في كلمات عشق أكتبها.. أرسلها.. أسمعها..
أغنيها.. أبكيها.. أشعر معها..
بشـــــيء مــا..
تتراكم كلمات الناس على روحي..
تمحو ألوانها..
يحاول عقلي أن يستوعب بضع حقائق عن الكون..
لكنه دائما لا يقدر..
لا يجد نفسه إلا فوق سطور الأوراق..
ربما السبب.. شـــــيء مــا..
حاولت أيضا أن أصف ذاتي..
حلمت بها كلوحة سوداء.. و بها بضع خطوط بيضاء..
تتموج.. تتألم.. تخترق سواد الألوان..
لا تنم عن الشر بداخلي بقدر ما تنم عن الغموض..
رأيت كثيرا من هو أحادي اللون..
طيب.. حقود.. واثق.. خائف.. خائن..
كل منهم محدد اللون لا يحتوي بداخله على هذه التراكيب الغامضة..
و منهم من يعرف ما بداخله جيدا و يبرع في إخفائه.. و لهذا يحاول أن يبدو غامضا قدر الممكن..
لكني لا أعرف عن نفسي.. إلا..
شـــــيء مــا ..
الكثير من الكلمات تدوي بداخلي.. مباديء.. قيم.. حتى الحب هو كلمة..
لكن ما بداخلي لا تعبر عنه الكلمات..
ما بداخلي.. شـــــيء مــا..
تخنقني أضواء المدينة.. أشعر بالحاجة إلى اتصال آخر..
لكن قوانين الذات تمنعني.. تنقلني من المعقول إلى اللا معقول..
أهتز.. أضطرب.. أتوتر.. لكني أعود لأستقر فوق وسادة من خواء الوهم..
لكني أشعر فعلا بالحاجة..
لشـــــيء مــا..
حاول البدر مرارا أن يؤثر على ذاتي.. يجعلني أحزن.. يجعلني أبكي..
و حين اخترقت أشعة البدر كياني.. شعرت بالحزن.. شعرت بالعجز..
شعرت باليأس.. و قررت أن تبدأ بالبكاء على ذاتي..
عندها بدأ يتكون بداخلي..
شـــــيء مــا..
- هل انتهيت؟؟بل الان فقط بدأت...
وعلى إحدى المسلات كان هذا النص:
نون – ماع – مسلات الحقيقة – من إثت – تاوي :في السنة العشرين اليوم العاشر من الشهر الثالث من فصل الفيضان تحت حكم جلالة حورس الثور القوي ابن الإله و سيد الأرضين أعلن في معبد آمون الغربي أن إرادة الآلهة أن يصبح يحيى من بعده سيدا لمصر و هذا عند الانتقال الأخير إلى الفردوس. و من يرفض طاعة الآلهة كمن رفض ماء النهر ينزل عليه غضب الإله فكأنما انقطع عنه ماء النهر. و قد اظهر السادة الوزراء و حكام الأقاليم كامل ترحيبهم بأمر آمون. و قد أظهرت مسلاتهم جميعا إنهم يحبون ابن سيد الأرضين و يلقبونه بالمعماري المفكر و بصاحب الأرض و النهر لأنه عرف العمارة و سائر العلوم هنا و وراء النهر الكبير. نون – ماع – مسلات الحقيقة – من إثت – تاوي--------------------------------------------------- 1 تسللت أشعة البدر(اياح) من بين برجي صرح القصر الشامخان لتنعكس على وجهه..
و لأول مرة نبدأ بالتعرف عليه.. نقترب بالكاميرا قليلا من وجهه.. لكننا لن نتمكن من ذلك الآن فهو لازال نائما وبدا وكأن الكا تركته لتنضم إلي عالم اوزيرس وهي تقبض باستماتة على علامة العنخ مفتاح عودتها إلي الجسد مرة ثانية..مفتاح الحياة..
لنترك الكا ألان كي تمارس عبادتها بحرية ونعود إلي ذلك الجسد النائم لنحاول من ملامحه أن نعرف من هو..
هو ببساطة مواطنا صالحـا في عالم الأحلام...
يعمل بجد و تفاني – كأي مواطن صالح – من أجل عالمه..
في الواقع.. لم يكن هناك مواطن غيره في هذا العالم..
نعم ؟ لم الغرابة ؟ هو من يقوم بأعمال الأحلام كلها وحده..
يملك موهبة الحلم.. فيصنع كل يوم حلمــا جديدا
فهو يجمع بين فنون عديدة.. فيرسم بريشته تفاصيل الأحلام و يصف بكلماته عبير طيور الأحلام أو يعزف ألحانا سكرى تحتفل بربيع الأحلام.
يضع بنفسه كل التفاصيل.. فيختار العطر.. ولون الزهر..
ألوان الغروب.. و اتجاه نسمات الريح ....
لم يسال نفسه يوما لم يفعل كل هذا فقد كان يعلم ...
كان يعلم انه يعمل من أجلها هي.. و انه يهواها هي.. يعشقها هي..
ومن غيرها ؟؟ أميرة الأحلام...
التي تحكم هذا العالم.. و تحكم قلبه أيضا..
هو لم يرها من قبل.. لكنه يعلم دائما أنها هنــاك
و أنها تراه.. و ربما تشعر بتفاصيل أحلامه التي هي بطلتها.. من اجلها كتب أحلى الكلمات.. و اختار أحلى العطور لتنتشر فوق أسوار قصرها.. و تحيطه بسحابة عطرية زهرية اللون..
من اجلها رسم ألحانه على غصون الأشجار..
من اجلها فقط.. كان يحيا...- يحيى.. أرسل سيد الأرضين في طلبك فأسرع إليه و لا تتأخر. هكذا سمع يحيى الصوت يتسلل في هدوء إلى أذنيه.. يخلق له في أحلامه عوالم جديدة لكنه لم يكد يدخلها حتى أفاق على هزة يد ناعمة أحس بها واقعية أكثر من أن تكون مجرد حلم.. استدار لينظر إلى الوجه الذي تجرأ و أيقظ ابن سيد الأرضين من نومه.. ليرى أخت روحه تايي – دوا تعيد عليه ما قالته و هي تبتسم.. - أرسل سيد الأرضين في طلبك فأسرع إليه و لا تتأخر.نظر قليلا إلى ابتسامتها ثم تذكر ما قالته.. فتركها تنظر إلى الفراغ قليلا في ذهول و انطلق يعدو بين أعمدة البهو الوردية شاعرا بالوحدة التي تبعثها فيه تيجانها من اللوتس والبردي وكأنها مصر العليا والسفلى وقد اجتمعت في تيجان أعمدة البهو لتخلد لقب الملك نسو- بيتي (ملك مصر العليا والسفلى)..
بدأ القلق يتسرب إلي نفسه وتلاحقت أنفاسه في عدوه فالتقطت عيناه صورة الآلهة ماعت.. تلك الجميلة المقدسة المنحوتة على جدران البهو وقد انغرست ريشة العدالة في خصلات شعرها الأسود لتطمئنه أن لا يقلق فهي هنا تقبض على الميزان في يد وبالأخرى تجهز صواعقها لردع الخارج عن طريق الحق الممتد بلا نهاية بعكس بهو الأعمدة الذي انتهى واضطر معه يحيى أن ينهي عدوه واقفا أمام باب قاعة الحكم الملكية....طرق الباب طالبا الإذن بالدخول ورفع عينيه إلي أعلى ناظرا إلى قرص الشمس المجنح رمز الإله(رع- حور- اختي) المستقر أعلى إفريز من الصل المقدس (الحية اليورايوس) حامية تيجان الملوك..ولكن لما كل تلك الرموز الحامية على بوابة قاعة الملك؟؟
هل يحتاج الإله سيد الأرضين إلي حماية؟؟
وأي شيء أو شخص ذلك الذي يجرؤ على إيذاء الملك وهو القوي الخالد ابد الدهر.؟؟ وان كانت الآلهة هي الحامية فلم لا يحمي الملك الإله نفسه بنفسه؟؟
تتعلق عيناه طويلا بقرص الشمس الذي يتوج رأس الآلهة إيزيس الممسكة بعلامة العنخ في يدها..الشمس.. العطاء والخلود والبعث..
الشمس.. هل هي آمون أم آتون.؟ اتوم أم رع؟ أو أنها حور اختى؟
أين الحقيقة؟؟؟
ومن بين جناحي الالهتين الحاميتين إيزيس ونفتيس.. فتح الباب وظهر خلفه الحارس الضخم..عبر يحيى البوابة الشامخة إلى داخل قاعة الحكم..ولكن انتظر..إلى هنا علينا أن نتوقف فليس لدينا تصريح الدخول إلي حضرة الآلهة..ربما أصبح ضروريا أن ننتظر خروجه كي يحكي لنا هو ما دار بالداخل....----------------------------------------------------2 - ثم أخذ يعدد لي الأسباب التي خلقنا من اجلها الإله... - هل هذا كل ما حدث ؟؟ - .......... - و لم يخبرك بماذا أمره الإله ؟ أو بم سيعلنه على العامة؟ - هذا فقط ما حدث و بدا لي انه يلمح لتعلم النقش المقدس للأوامر الملكية ثانية. - ألم تتفقا - ابعد قدميك كي لا تلوث مياه النهر- ؟ - أنا ابن سيد الارضين و هذا النهر يجري من تحتي.. أما انتِ فلتنحني لابن سيد الأرضين - توقف يا يحيى- .............. - يحيى- ................ و هو يصر على أن أتعلم القانون الملكي...- و حلمك ؟؟ - لا ادري... - و أنا ؟؟ - ...................... ........................ ........................ - يحيى !!
- أتعلمين يا أخت الروح.. أحيانا أتمنى لو كنت مجرد شخص عادي.. فلاح بسيط لا يشغله سوى موعد الفيضان..
أترين الرجلان الواقفان هناك.. أتمنى أن أقف مثليهما أتحدث في اللا شيء.. أو اجلس معهما لنشرب حنقت سويا....
وبفضول شديد نظرت تايي- دوا اليهما..- ترى فيما يتحدثان ألان؟؟
- باستت
- ماذا؟؟
- أنت فضولية كقطة..
- جديا.. ماذا يحدث لو اقتربنا قليلا لنسمع ما يقولانه..
- ربما يحدث شيء ما.. لكن لو لم نقترب فلن يحدث شيء.. أتعلمين.. هذا هو الفارق مابيني وبينك.. فأنا أتمنى أن أكون مثلهم وأنت تتمنين أن تسمعي قولهم..
- أسرع إذن فقد فات الكثير من حديثهما..ابتسم يحيى بينما هي تجره جرا حتى اقتربا منهما وهي تستمع اليهما بكل تركيز...
- تعرف حد بيقرا عارف إيه المنقوش على مسلة حكابي- الساحر - الأسبوع ده ؟ - قريب لأخوال أمي يعمل بالقصر الملكي يعرف هناك من يتعلم النقش المقدس و يمكنه أن يقرأها.. - إذن اطلب منه أن يقرأها لنا.. قبل انقضاء هذا العام..لأن بها أخبارا خطيرة حول أحوال ما يجري في القصر الملكي بين سيد الأرضيين و ابنه يحيى - هل تعني تلك التي تدور حول رفض الأمير يحيى لأن يكون هو سيد الأرضين بعد والده ؟ يقولون بأن أخت روحه تايي – دوا هي التي دفعته لذلك فهي تعرف النقش المقدس بحكم كونها ابنة آمون و هي أيضا تريد أن تبقى في بلاد ما خلف النهر الكبير.. و حبه لها سيجعله بالتأكيد ينفذ ما تطلب..
غمغمت تايي- دوا بخفوت وقد علت شفتيها ابتسامة كبيرة..- يبدو أن حبك لي واضحا للجميع..
لم يجبها فنظرت إليه لتجده نائما شعرت بالضيق الشديد فدائما لا تجده حينما تحتاجه..ثم عاد فضولها يتغلب على ضيقها وركزت كل اهتمامها لمتابعة الحوار الدائر.. - ليس الأمير يحيى من هذا النوع .. إن حبه للبقاء بين الكهنة و عارفين الأسرار هو السبب بالتأكيد.. فهو دوما يحاول أن يعرف أكثر و يتعلم أكثر و أعتقد أنه يرفض أن يحكم ارض مصر و نيلها لهذا السبب.فأفكاره حول إلغاء الضرائب و تحرير التجارة لا تناسب أوامر آمون الصارمة التي ينفذها سيد الارضين.. - و لكنه يريد الاحتفاظ بـ تايي – دوا إلى جانبه أيضا.. - انه ذكي حقا ليفعلها !! يقولون أنه إذا تزوج من تايي - دوا سيصرفون لنا تمرا ملكيا .. - تمرا أم ذهبا.. كلا منها سيسترده جباة الضرائب ثانية.. - و يقولون... - اوووووه.. لا تصدق كل ما تسمعه في مصر. - لقد تأخرت وداعا.. و لا تنسى أن تطلب من قريبك أن يقرأ لنا المسلة لنعرف ما يجري حولنا !! - حقا نحتاج لأن نعرف ماذا يجري ! - أدعو الآلهة أن تسامحك عن خطاياك لتذهب سريعا إلى الفردوس .. - إلى اللقاء في أرض آمون !
ذهب الرجلان بينما وقفت تايي- دوا مبتسمة وقد شعرت بسعادة طفولية..- أتعتقد أنهم سيصرفون لنا تمرا بالفعل لو تزوج الأمير يحيى من أخت روحه تايي- دوا؟؟
عاد إليها غضبها عندما تذكرت أن يحيى تركها وغاب في عالم الأحلام وجلست وقد بدأت تحترق داخليا وتتوعده في صمت بالعذاب والهجر..
بينما وجد يحيى نفسه في عالم أخر.. وحيدا يحيط به الأزرق الداكن و كأنه يسير فوق السماء.. و جد بقعة من النور تظهر أمامه فاتجه إليها.. تتناثر مع خطواته نقاط بيضاء مضيئة تصنع نجوم السماء.. توقف عند هذا النور في جلال و اخذ يتلقى منه بضع كلمات.. و اتجه ليدور من حوله صانعا لوحات يملؤها الضوء.. ثم التفت ليجد ظلاما يأتي مقتربا ليحل بالأزرق..يأتي من كل الجهات.. و أحجارا تلقى من الأعلى حيث لا اتجاهات ها هنا ! تصيب وجه يحيى.. تصيب وجه اللوحات.. و تصيب وجه النور.. تملا اللوحات بالأسود.. و تنهار بقايا الألوان.. يدور يحيى حول النور محاولا النفاذ إليه.. محاولا اختراقه لحمايته.. لكنه يجد نفسه واقفا في هالة من الفراغ الأسود تملأه نجوما رمادية متربة.. تتراءى له قطرة من نور تسبح بعيدا بعد انتهاء كل شيء.. يحاول أن يحتضنها بعينيه.. فتطفئها ظلال الأسود لتحيلها إلى الصمت الأبدي.. يعرف وجوه كل من ألقوا بحجر على ومضات النور.. يكتبها في ذاكرته بحروف من حديد..يبحث عن أمل أخير.. لكن حتى آخر قطعة أمل.. قد ذابت أسفا.. فهوى يحيى في هوة اللانهاية........ - يحيى.. استيقظ يا يحيى.. - النور.. من أنتِ ؟ أين الحقيقة ؟ - هل سمعت في عمرك عن إنسان يستيقظ من النوم قائلا أين الحقيقة ؟؟ - في الواقع ؟؟ !! كلا.. - إذن ما بك ؟ - الحلم.. - يا أخا روحي.. ماذا يعكر صفو اتصال روحك؟؟
أطلق يحيى زفرة مهمومة.. فمسحت بيدها الحانية على جبينه وكأنها تمتص كل الطاقة السلبية من عقله.. - ألا يكفيك أني معك ها هنا.. - ................. ........................... ................................. - يحيى !!
- أتعلمين.. يبدو أن هناك شيء مــــــــا...
- عن أي شيء تتحدث؟؟
- لا أعرف الكثير عنه... لكنه موجود..
أشعر به يخترق كياني.. يسكن أفكاري.. و يطل من بين الكلمات...
هنا تناولت تايي- دوا ورقة بردي فردتها أمامه ووضعت في يده ريشة..نظر إليها بتساؤل فجاوبته ابتسامتها الحانية التي بعثت بداخله طاقة متدفقة فبدأ يدون بشرود.....
شـــــيء مــا..
يحيي بداخلي تراكمات الماضي.. و يضع بنفسه خطوط المستقبل..
يرسم على صفحات الروح بكل ألوان الدنيا..
بألوان الحزن.. ألوان الفرح.. و ألوان الألم..
شـــــيء مــا..
لم أسأل نفسي من قبل عن نفسي..
و لماذا أعر بكل هذه المشاعر.. بالغربة و الغرابة و الاغتراب..
حتى في داخل قلوب العاشقين..
دائما يوجد.. شـــــيء مــا..
في البدر و في الليالي الباردة الطويلة..
في كلمات عشق أكتبها.. أرسلها.. أسمعها..
أغنيها.. أبكيها.. أشعر معها..
بشـــــيء مــا..
تتراكم كلمات الناس على روحي..
تمحو ألوانها..
يحاول عقلي أن يستوعب بضع حقائق عن الكون..
لكنه دائما لا يقدر..
لا يجد نفسه إلا فوق سطور الأوراق..
ربما السبب.. شـــــيء مــا..
حاولت أيضا أن أصف ذاتي..
حلمت بها كلوحة سوداء.. و بها بضع خطوط بيضاء..
تتموج.. تتألم.. تخترق سواد الألوان..
لا تنم عن الشر بداخلي بقدر ما تنم عن الغموض..
رأيت كثيرا من هو أحادي اللون..
طيب.. حقود.. واثق.. خائف.. خائن..
كل منهم محدد اللون لا يحتوي بداخله على هذه التراكيب الغامضة..
و منهم من يعرف ما بداخله جيدا و يبرع في إخفائه.. و لهذا يحاول أن يبدو غامضا قدر الممكن..
لكني لا أعرف عن نفسي.. إلا..
شـــــيء مــا ..
الكثير من الكلمات تدوي بداخلي.. مباديء.. قيم.. حتى الحب هو كلمة..
لكن ما بداخلي لا تعبر عنه الكلمات..
ما بداخلي.. شـــــيء مــا..
تخنقني أضواء المدينة.. أشعر بالحاجة إلى اتصال آخر..
لكن قوانين الذات تمنعني.. تنقلني من المعقول إلى اللا معقول..
أهتز.. أضطرب.. أتوتر.. لكني أعود لأستقر فوق وسادة من خواء الوهم..
لكني أشعر فعلا بالحاجة..
لشـــــيء مــا..
حاول البدر مرارا أن يؤثر على ذاتي.. يجعلني أحزن.. يجعلني أبكي..
و حين اخترقت أشعة البدر كياني.. شعرت بالحزن.. شعرت بالعجز..
شعرت باليأس.. و قررت أن تبدأ بالبكاء على ذاتي..
عندها بدأ يتكون بداخلي..
شـــــيء مــا..
- هل انتهيت؟؟بل الان فقط بدأت...


0 Comments:
Post a Comment
<< Home